5 أبريل 2026 20:22 17 شوال 1447

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير أحمد عامر

أسواق للمعلومات
  • شركات صلاح أبودنقل
  • NationalPostAuthority
اقتصاد

الأثر الاقتصادي للبطولات الكروية الكبرى على الدول المضيفة

أسواق للمعلومات

حين تستضيف دولة كأس العالم أو بطولة قارية كبرى، فهي لا تشتري مجرد أسابيع من المباريات والاحتفالات. ما تفعله عملياً هو فتح نافذة نادرة تتقاطع فيها السياحة، والإنفاق الاستهلاكي، وتحديث البنية التحتية، وثقة المستثمرين، والصورة الدولية للبلاد في اللحظة نفسها. لهذا تنظر الحكومات إلى هذه البطولات باعتبارها مشروعاً اقتصادياً واسع الأثر، لا مجرد مناسبة رياضية عابرة. العائد الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد التذاكر المباعة أو امتلاء المدرجات، بل بقدرة الدولة على تحويل الزخم المؤقت إلى أثر يبقى بعد صافرة النهاية: فنادق تعمل بمعدلات أفضل، ومدن أكثر جاهزية، وشبكات نقل أكثر كفاءة، وسمعة أقوى في السوق الدولية.

أول ما يظهر عادة هو الأثر السياحي المباشر. في أسابيع البطولة يرتفع الطلب على الطيران، والإقامة، والمطاعم، والنقل الداخلي، والتجزئة، والخدمات الترفيهية. لكن الأثر الأهم غالباً ليس ما يدفعه الزائر في يوم المباراة، بل ما تتركه البطولة في خيال المسافر العالمي بعد انتهائها. حين يشاهد ملايين الناس مدينة منظمة، وملاعب ممتلئة، وطرقاً سلسة، وخدمات تعمل تحت الضغط، فإن البلد المضيف يكسب ما يشبه حملة ترويجية هائلة يصعب شراؤها بالإعلانات التقليدية. هنا تتحول كرة القدم إلى أداة تسويق وطني، لأن الجمهور لا يتلقى رسالة دعائية منفصلة، بل يرى البلد نفسه وهو يعمل أمامه. هذا النوع من الانطباع قد يدفع السائح إلى العودة لاحقاً، أو يشجع شركة دولية على النظر إلى الدولة المضيفة باعتبارها بيئة أكثر جاهزية وانفتاحاً.

لكن ملف البنية التحتية يبقى الأكثر حساسية وتعقيداً. استضافة بطولة كبرى تدفع الحكومات عادة إلى تسريع مشاريع كانت مؤجلة: مطارات، طرق، مترو، شبكات اتصالات، مناطق محيطة بالملاعب، وفنادق ومرافق ترفيهية. وهنا يظهر الفارق بين دولة تستخدم البطولة كوسيلة لتسريع خطة تنموية موجودة أصلاً، ودولة تبني أصولاً لا تعرف كيف ستستخدمها بعد البطولة. النجاح لا يصنعه حجم الإنفاق وحده، بل جودة التخطيط لما بعد الحدث. هل سيظل الملعب صالحاً لفعاليات رياضية وتجارية؟ هل ستستمر الفنادق في جذب الطلب؟ هل ستخدم مشاريع النقل السكان يومياً بعد انطفاء الأضواء؟ إذا كانت الإجابة نعم، تصبح البطولة رافعة اقتصادية حقيقية. وإذا كانت الإجابة لا، يتحول جزء من الإنفاق إلى عبء طويل الأجل.

تجربة قطر بعد كأس العالم 2022 تقدم مثالاً واضحاً على محاولة تحويل الحدث إلى منصة اقتصادية أوسع من كرة القدم نفسها. وفق تقرير الأداء السنوي لقطر للسياحة، وصل عدد الزوار الدوليين في 2024 إلى ما يقارب 5 ملايين زائر بنمو سنوي 26%، كما بلغ المعروض الفندقي 40,405 مفاتيح، ووصل الطلب إلى 10 ملايين ليلة فندقية مباعة خلال العام نفسه. هذه الأرقام مهمة لأنها تعني أن الزيادة لم تتوقف عند شهر البطولة، بل امتدت إلى ما بعدها عبر توسيع الطاقة الاستيعابية وتعزيز الحضور السياحي للدولة على الخريطة الإقليمية والدولية.

أما جنوب أفريقيا في مونديال 2010 فتقدم درساً مختلفاً لكنه بالغ الأهمية. ففي البيانات الرسمية لوزارة السياحة ارتفع عدد الوافدين من 7,011,865 في 2009 إلى 8,073,552 في 2010، أي بنمو 15.1%، بينما كانت تقديرات نمو السياحة العالمية عند 6.7% فقط. كما أظهرت نتائج المسح الرسمي أن 309,554 سائحاً أجنبياً قدموا إلى البلاد لغرض رئيسي هو حضور كأس العالم، وأن إنفاق هؤلاء تجاوز 3.6 مليارات راند. المعنى هنا أن البطولة لم تحرّك الطلب السياحي فحسب، بل منحت البلاد دفعة سمعة عالمية ساعدتها على تجاوز متوسط النمو الدولي بوضوح في ذلك العام.

وعلى مستوى البطولات القارية، تؤكد يورو 2024 في ألمانيا أن الأثر الاقتصادي الكبير ليس حكراً على كأس العالم. فبحسب دراسة Nielsen Sports التي عرضها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، بلغ الأثر الاقتصادي للبطولة 7.44 مليارات يورو على ألمانيا والمدن العشر المضيفة، وجاء أكثر من 90% من هذا الأثر نتيجة الإنفاق المباشر لحاملي التذاكر والمنظمين والمعتمدين وما تبعه من آثار غير مباشرة ومحفزة. هذه الحالة مهمة لأنها تبيّن أن الاقتصاد المنظم، حين يملك مدناً جاهزة وشبكات نقل فعالة ومنشآت قابلة للاستخدام، يستطيع استخلاص قيمة كبيرة من بطولة كبرى من دون الحاجة إلى بناء كل شيء من الصفر.

الاستثمار بدوره لا يقتصر على الخرسانة والملاعب. كثير من الدول تستخدم البطولة لإعادة تسويق نفسها أمام العالم: جذب علامات فندقية عالمية، وتحريك مشاريع ترفيهية، وتعزيز صورة الدولة بوصفها قادرة على التنظيم والاستضافة، وفتح مساحات تعاون بين القطاعين العام والخاص. ولهذا فإن البطولة الناجحة لا تُدار فقط بعقلية اللجنة المنظمة، بل بعقلية اقتصادية أشمل ترى في كل زائر فرصة، وفي كل صورة تلفزيونية أصلاً تسويقياً، وفي كل مشروع بنية تحتية أداة لتحسين البيئة الاستثمارية. وفي المقابل، فإن الدولة التي تبني بلا خطة تشغيلية واضحة قد تربح العناوين الصحافية في الصيف، ثم تواجه لاحقاً أسئلة صعبة حول كلفة الصيانة وضعف الاستخدام.

وفي قلب هذا المشهد تظهر أيضاً طبقة أخرى من الاقتصاد المعاصر: الاقتصاد الرقمي الرياضي. البطولات الكبرى ترفع زيارات المواقع الرياضية، وتزيد استهلاك المحتوى التحليلي، وتفتح مساحة أوسع للنشرات، والمنصات المتخصصة، والناشرين الذين يبحثون عن نماذج دخل قابلة للقياس. ضمن هذا المسار تعتمد بعض المواقع وصفحات التحليل على التسويق بالعمولة MelBet بوصفه نموذجاً قائماً على الأداء، حيث تُستخدم الروابط الإحالية، وأدوات التتبع، ولوحات التحليل، إلى جانب صيغ عمل مثل RevShare وCPA وHybrid. كما تشير ملفات المشروع إلى أن البرنامج يخدم فئات متعددة من الشركاء، من أصحاب المواقع والميديا إلى فرق شراء الترافيك، ويوفر مواد ترويجية، وتحليلات تفصيلية، ومديري حسابات يساعدون في تكييف الحملات مع كل سوق. بهذا المعنى، لا تخلق البطولة حركة في الفنادق والمطارات فقط، بل توسّع أيضاً الاقتصاد الرقمي المحيط بكرة القدم وتمنح المحتوى الرياضي نفسه مسارات تجارية أكثر نضجاً.

ومع كل ذلك، ليس هناك ضمان تلقائي للربح. بعض الدول نجحت لأنها تعاملت مع البطولة كجزء من استراتيجية أطول، بينما تعثرت أخرى لأن الحدث سبق الخطة بدل أن يخدمها. لهذا من الأدق القول إن البطولة ليست فرصة مضمونة، بل أداة قوية تتوقف نتائجها على نوع الإدارة. السوق المحلي، والقدرة على إعادة استخدام المنشآت، وجودة الربط بين الرياضة والسياحة والاستثمار، كلها عوامل تحدد إن كانت الاستضافة ستتحول إلى أصل اقتصادي أم إلى تكلفة باهظة مؤجلة.

وهذا ما يجعل البطولات المقبلة مهمة اقتصادياً بقدر أهميتها الرياضية. فوفق دراسات FIFA وWTO التي استشهد بها الاتحاد الدولي لاحقاً، يمكن لكأس العالم 2026 أن يستقطب نحو 6.5 ملايين حاضر، وأن يسهم بما يصل إلى 40.9 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع دعم قرابة 824 ألف وظيفة بدوام كامل على مستوى العالم. هذه الأرقام تبقى تقديرات سابقة للحدث وليست حصيلة نهائية، لكنها تكشف بوضوح كيف أصبحت كرة القدم اليوم محركاً حضرياً واقتصادياً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر. البطولة الكبرى لم تعد مجرد منافسة على الكأس، بل اختبار لقدرة الدولة على تحويل الشغف الجماهيري إلى بنية أفضل، وصورة أقوى، واقتصاد أكثر حركة بعد انتهاء المباراة الأخيرة.

أسواق للمعلومات أسواق للمعلومات
أسواق للمعلومات أسواق للمعلومات