16 أغسطس 2026 09:41 2 ربيع أول 1448

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير أحمد عامر

أسواق للمعلومات
  • nbe
الجمهورية الجديدة

جهاز مستقبل مصر بين المرونة الاستراتيجية وطفرة تنموية تستبق التغيير

محمد حسيني عامر
محمد حسيني عامر

لم يعد بناء مستقبل الدول في عصر الأزمات الاقتصادية والتحولات التكنولوجية والتغيرات الجيوسياسية ممكنًا بالاعتماد على أنماط الإدارة التقليدية أو انتظار المخاطر حتى تقع ثم البحث عن حلول لها. فالدول الساعية إلى التقدم مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين سلامة الإجراءات وحماية المال العام من ناحية، وسرعة الإنجاز والقدرة على التكيف واستباق المتغيرات من ناحية أخرى.

وقد تحملت الدولة المصرية على مدار عقود، إرثًا إداريًا اتسم بالبيروقراطية، وتعدد جهات الولاية، وتشابك الاختصاصات، وطول الدورة المستندية، وتجزؤ البيانات اللازمة لاتخاذ القرار، وبطء تخصيص الأراضي وإصدار التراخيص وإبرام التعاقدات.

وأسهمت هذه العوامل، إلى جانب تحديات التمويل وتوصيل المرافق، في إبطاء تنفيذ بعض المشروعات، والحد من كفاءة استغلال الأصول العامة، وتعطيل تحويل الموارد والإمكانات المتاحة إلى إنتاج وعائد وفرص عمل، بما أثر في سرعة تحقيق التنمية بالمعدلات المستهدفة.

ولا يعني ذلك الانتقاص من مؤسسات الدولة أو أدوارها الأساسية؛ فالجهاز الإداري هو الأداة الرئيسية لتنفيذ السياسات العامة، وتقديم الخدمات، وحماية الحقوق والمال العام. إلا أن تطوير أداءه عملية ممتدة تتطلب إعادة هيكلة لنمط وأساليب الإدارة، وتأهيل العاملين، وتكامل البيانات ورقمنة نظم العمل، وتغيير الثقافة الإدارية.

اقرأ أيضاً

وهذه عملية ضرورية ولا غنى عنها، لكنها لا ينبغي أن تكون مبررًا لتأجيل المشروعات العاجلة أو تعطيل فرص التنمية حتى يكتمل التحول الرقمي المؤسسي الشامل.

ومن هنا تبرز أهمية العمل في مسارين متوازيين: الاستمرار في تطوير الجهاز الإداري للدولة، وفي الوقت نفسه إنشاء نماذج مؤسسية مرنة ومتخصصة تستطيع تنفيذ المشروعات القومية الكبرى وإدارة الأصول والاستثمارات وفق قواعد تتناسب مع طبيعتها الاقتصادية والتنموية، ولا تمثل هذه النماذج بديلًا عن مؤسسات الدولة، وإنما أدوات مكملة لها، يمكن تقييمها والاستفادة من نتائجها.

فالتغير العالمي أصبح أسرع من دورات التخطيط التقليدية، كما تتعرض أسواق الغذاء والطاقة والتمويل والنقل والتكنولوجيا لتقلبات قد تحول الفرصة المتاحة إلى خسارة خلال فترة قصيرة، ولذلك لم يعد كافيًا أن تمتلك الدولة الأرض أو الموارد أو البنية الأساسية، بل أصبح النجاح مرتبطًا بقدرتها على تكامل البيانات وتحليلها، والتنبؤ بالمخاطر، واختبار السيناريوهات، واتخاذ القرار، وإعادة توجيه الموارد في التوقيت المناسب.

وفي هذا السياق، تعني المرونة الاستراتيجية قدرة المؤسسة على التكيف السريع مع المتغيرات، وإدارة الموارد والأصول بصورة متكاملة، والتنسيق بين الجهات، وبناء الشراكات، وتصحيح المسار في ضوء المعلومات والنتائج الفعلية. وهي لا تعني تجاوز القانون أو التحرر من الرقابة، وإنما استبدال البطء غير المنتج بنظم أكثر كفاءة تقوم على سرعة القرار، ووضوح المسؤولية، وقياس الأداء وإدارة المخاطر.

وقد أثبتت تجارب دولية متعددة أن منح جهة تنموية متخصصة قدرًا محسوبًا من المرونة الإدارية والمالية والاستثمارية يمكن أن يسهم في تحويل الأراضي والأصول غير المستغلة إلى مشروعات منتجة، وإنشاء مناطق تنمية متكاملة، وجذب القطاع الخاص، وربط الإنتاج بالتصنيع والتخزين والنقل والأسواق.

وقد واجهت الدولة المصرية منذ عام 2011 تحديات سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية متلاحقة، أضيفت إليها أزمات عالمية وإقليمية أثرت في الموارد وسلاسل الإمداد والنقد الأجنبي؛ ومع ذلك تبنت الدولة مسارًا واسعًا لبناء شبكات الطرق والطاقة والموانئ والمدن، واستصلاح الأراضي، وتحديث الخدمات، وتنفيذ المشروعات القومية الكبرى.

غير أن اكتمال قيمة ما أنشئ يتوقف على القدرة على تشغيله بكفاءة وتحويله إلى إنتاج وعائد واستثمار وفرص عمل مستدامة؛ فالبنية الأساسية لا تحقق غايتها بمجرد إنشائها، والأرض لا تتحول إلى ثروة بمجرد تخصيصها، والمصنع لا يضيف إلى الاقتصاد إلا إذا عمل بكفاءة وارتبط بسوق وسلسلة إمداد مستقرة.

ومن هنا تنتقل الدولة من مرحلة البناء والتأسيس إلى مرحلة أكثر أهمية، هي مرحلة الإدارة الذكية، والتشغيل الاقتصادي، وتعظيم قيمة الأصول واستدامة عوائدها.

وفي هذا الإطار؛ وافق مجلس النواب في جلسته العامة المنعقدة في 14 يوليو 2026 على مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بعد مناقشة مواده والتعديلات والمقترحات المقدمة من النواب. وقد أثار المشروع نقاشًا بشأن طبيعة الجهاز، واتساع اختصاصاته، وعلاقته بالوزارات والهيئات الأخرى، وحدود الرقابة على أعماله، وتأثيره في المنافسة والقطاع الخاص، وصلاحياته داخل مناطق التنمية المستدامة، وإنشاء الصناديق التابعة له.

ولا ينبغي النظر إلى هذا الجدل باعتباره مواجهة بين مؤيدين ومعارضين؛ فالاختلاف حول حدود الصلاحيات والضمانات أمر مشروع ومفيد عندما يؤدي إلى تحسين التشريع، وقد أسفرت المناقشات البرلمانية بالفعل عن تعديلات مهمة تتعلق بالرقابة، والإعفاءات، وإدارة الأموال العامة، وإنشاء مناطق التنمية المستدامة.

وتنبع أهمية إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر من أنها تسعى إلى بناء نموذج مؤسسي متكامل لإدارة التنمية والأصول؛ نموذج يجمع بين الأرض والمياه والبنية الأساسية، والإنتاج الزراعي والحيواني والداجني والسمكي، والتصنيع والتخزين والنقل والتسويق والاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص. وتتمثل القيمة الأساسية لهذا النموذج في إدارة سلسلة القيمة كاملة بدلًا من توزيع حلقاتها بين جهات متعددة تعمل وفق بيانات وإجراءات وأولويات منفصلة.

فقد انتقل مستقبل مصر خلال سنوات قليلة من مشروع لاستصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي إلى منظومة أوسع تشمل البنية الأساسية، والزراعة الحديثة، والتصنيع الغذائي، والتخزين والخدمات اللوجستية، والتجارة والاستثمار والشراكات.

وأصبح هذا التوسع يحتاج إلى إطار قانوني يحدد طبيعة الجهاز واختصاصاته وأصوله وأمواله وعلاقته بمؤسسات الدولة، ويمنحه المرونة اللازمة لمواصلة دوره، مع ضمان الرقابة والشفافية والمحاسبة؛ ومن هذا المنطلق يمكن الفهم العميق للقانون بأبعاده وإبداء الرأي بموضوعية بعد الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي تمثل المحاور للموضوع.

ما الخلفية التاريخية لجهاز مستقبل مصر؟ وما الإنجازات التي حققها بالفعل؟، ولماذا رأت الدولة إعادة تنظيمه؟، وما أبرز المخاوف؟، وكيف تم معالجتها؟، وكيف يمكن أن تحقق المرونة الاستراتيجية للجهاز طفرة تنموية وتجعله أداة لاستباق التغيير ؟، وهل توجد تجارب دولية يمكن الاستفادة من إنجازاتها؟.

والغاية من الإجابة عن هذه الأسئلة هي الوصول إلى تقييم متوازن يضع المصلحة الوطنية فوق التأييد أو الاعتراض المسبق؛ فالدولة تحتاج إلى المرونة لتسريع التنمية واقتناص الفرص، كما تحتاج إلى الحوكمة لحماية المال العام.

ويتحقق النجاح عندما تتكامل سرعة القرار وكفاءة التنفيذ مع حماية المال العام وشفافية الإدارة وإدارة المخاطر.

وعندئذ يمكن لجهاز مستقبل مصر أن يصبح نموذج للإدارة التنموية الحديثة، القادرة على تعظيم ما أنجزته الدولة، وتحويل الأصول إلى ثروة منتجة، وجذب الاستثمار، ودعم الأمن الغذائي والاقتصادي، واستباق التغيير بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع آثاره بعد وقوعه.

الخلفية التاريخية لجهاز مستقبل مصر

بدأ مستقبل مصر مشروعًا قوميًا للإنتاج الزراعي؛ بهدف استصلاح الأراضي الصحراوية، وزيادة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وتطبيق نظم الري الحديث، مع ربط الزراعة بالبنية الأساسية والطاقة والتخزين والتسويق. وفي مايو 2022 افتُتح المشروع رسميًا، مع استهداف استصلاح نحو 1.05 مليون فدان.

أُنشئ جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بقرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، بوصفه جهازًا اقتصاديًا تابعًا لوزارة الدفاع، فتحول من مشروع زراعي إلى ذراع تنفيذية تدير مشروعات تنموية متعددة.

وحتى 2025 توسعت أعماله جغرافيًا وقطاعيًا، لتشمل الزراعة المحمية، وإنتاج التقاوي، والثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، والتصنيع الغذائي والتخزين والتسويق والتحول الرقمي.

وجسد افتتاح المرحلة الأولى من مدينة مستقبل مصر الصناعية في مايو 2025 انتقاله من إنتاج المحاصيل إلى تصنيعها وتعظيم قيمتها المضافة.

عام 2026 وافق مجلس النواب على مشروع إعادة تنظيم الجهاز، لينتقل إلى إطار مدني ذي طبيعة خاصة يتبع رئيس الجمهورية، ويتناسب تنظيمه القانوني الجديد مع اتساع أصوله ومشروعاته وشركاته وصناديقه ومناطق التنمية التابعة له.

الإنجازات التي حققها جهاز مستقبل مصر

بدأ الإنجاز الفعلي باستصلاح وزراعة نحو 350 ألف فدان في المرحلة الأولى، باستخدام قرابة 2600 جهاز ري محوري مطور، مع زراعة الأرض في موسمين سنويين. وتمثل هذه المساحة جزءًا من مستهدف يبلغ 1.05 مليون فدان داخل مشروع الدلتا الجديدة، الذي تصل مساحته المستهدفة إلى نحو 2.2 مليون فدان. ويعكس ذلك القدرة على تجهيز أراضٍ صحراوية واسعة بالمياه والطاقة والطرق والري والميكنة وإدخالها في دورات إنتاج منتظمة.

وبلغت التكلفة للمرحلة الأولى نحو 8 مليارات جنيه، وشملت إنشاء طرق بطول يقارب 500 كيلومتر، وحفر آبار جوفية، وإنشاء محطتين للكهرباء بقدرة تبلغ 350 ميجاوات، وشبكة كهرباء داخلية بطول 200 كيلومتر، إلى جانب المنشآت الإدارية والسكنية ومستلزمات التشغيل. تم توفير نحو 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وأكثر من 360 ألف فرصة غير مباشرة في الزراعة والنقل والتوريد والخدمات.

وامتد نشاط الجهاز إلى مناطق جديدة؛ ففي شرق العوينات تم الانتهاء من المرحلة الأولى على مساحة 30 ألف فدان من مستهدف 230 ألف فدان، متوسط إنتاج للقمح بلغ نحو 22 أردبًا للفدان. وفي مشروع سنابل سونو 1 تم إنجاز 70 ألف فدان من مستهدف قدره 140 ألف فدان، بمتوسط 20 أردبًا للقمح و3 أطنان للشعير للفدان. كما يعمل الجهاز في قطاع السادات على مساحة تقارب 45 ألف فدان تضم مجموعة متنوعة من المحاصيل الاستراتيجية والتصديرية.

حقق افتتاح المرحلة الأولى من مدينة مستقبل مصر الصناعية مايو 2025 تحولًا مهمًا من إنتاج المحصول الخام إلى تخزينه وفرزه وتصنيعه وتجفيفه وتعبئته. وتضم المدينة صوامع بطاقة إجمالية تبلغ 500 ألف طن، ومجمعًا للتبريد والتجميد بطاقة 90 ألف طن، وخطوطًا للفرز والتعبئة، ومصانع لتجفيف المنتجات الزراعية، إلى جانب مصنع أعلاف بطاقة 50 طنًا في الساعة وإنتاج سنوي مستهدف يصل إلى 150 ألف طن. ويهدف التوسع إلى تقليل الفاقد، ورفع القيمة المضافة، وتعزيز فرص التسويق والتصدير.

اتسعت أنشطة الجهاز لتشمل إنتاج التقاوي، والزراعة المحمية، والإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، وتخزين الحبوب، والتبريد والتجميد، والتصنيع الغذائي، والتعبئة والنقل والتجارة والتصدير، إلى جانب التحول الرقمي والميكنة والطاقة المتجددة، وبذلك انتقل الجهاز من إدارة حلقات منفصلة إلى إدارة سلسلة قيمة مترابطة تبدأ بالأرض والمياه والزراعة والحصاد والتخزين والتصنيع وحتى التسويق والتصدير.

أسهمت هذه المشروعات في توسيع مشاركة القطاع الخاص؛ الى نحو 150 شركة في الإنتاج الزراعي ضمن مشروع الدلتا الجديدة، بخلاف مئات الشركات في الأنشطة الأخرى. ويؤكد ذلك أن النموذج يعتمد على استخدام البنية الأساسية لجذب الاستثمار والتشغيل الخاص، لا على التنفيذ الحكومي المنفرد.

ويعمل الجهاز بمشروع الدلتا الجديدة الأوسع، حيث قاربت استثماراته 800 مليار جنيه، وشمل نحو 12 ألف كيلومتر من الطرق، ومسارين لنقل المياه المعالجة بطول 150 كيلومترًا لكل منهما، و19 محطة رفع رئيسية، وقدرات كهربائية 2000 ميجاوات. هذه الأرقام تمثل حصيلة جهد جماعي للدولة والوزارات والهيئات والقطاع الخاص.

أصبح الجهاز طرفًا مشاركًا في منظومة الأمن الغذائي، من خلال الربط بين الإنتاج والتخزين والتوزيع واحتياجات السوق والمخزون الاستراتيجي، وبذلك تعكس إنجازاته انتقاله من مشروع لاستصلاح الأراضي إلى كيان يسهم في إدارة سلسلة الغذاء وتعظيم القيمة الاقتصادية للأصول والمشروعات.

لماذا إعادة تنظيم الجهاز ومنحه قدر من المرونة الاستراتيجية المحسوبة؟

استجابةً لضرورة مؤسسية تتطلب مجابهة تحديات داخلية وخارجية ولم تعد الأدوات التقليدية والإدارة النمطية وحدها كافية لمواجهتها، والارتقاء عمل الجهاز خلال سنوات قليلة من استصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي إلى التصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية والاستثمار وإدارة الأصول والشراكات؛ فأصبح إطار إنشائه عام 2022 أضيق من حجم المسؤوليات التي يباشرها.

ومن ثم كان لا بد من إطار قانوني مدني واضح يحدد تبعيته واختصاصاته وأصوله وشركاته وصناديقه، وينظم علاقته بمؤسسات الدولة والقطاع الخاص مما يعظم الاستفادة من القدرات والخبرات المكتسبة.

المتغيرات الخارجية تواجه أسواق الغذاء العالمية مخاطر متزايدة نتيجة التوترات الجيوسياسية، وتقلبات المناخ والطاقة والأسمدة، واضطراب التجارة والشحن. وقد توقعت منظمة الأغذية والزراعة انخفاض إنتاج الحبوب عالميًا بنحو 2% خلال عام 2026، إلى جانب تراجع تجارة الأسمدة عالميًا بنسبة تراوحت بين 20% :25% خلال أول العام الحالي.

ولا تقتصر مخاطر الاعتماد على ارتفاع الأسعار الواردات، بل تمتد إلى توافر السلع، وانتظام الشحن، وتكاليف التأمين والطاقة والأسمدة، والضغط على النقد الأجنبي.

كما أن ارتفاع أسعار الوقود ينعكس مباشرة على تكاليف الزراعة والري والنقل والتبريد والتخزين، بما يجعل الغذاء والطاقة والخدمات اللوجستية حلقات مترابطة لا يمكن إدارتها بصورة منفصلة.

أكدت التطورات الإقليمية خلال عام 2026 أهمية الحفاظ على مخزون آمن من السلع الاستراتيجية، وتنويع مصادر الإمداد، وربط الإنتاج المحلي بالتخزين والتوزيع. ويحتاج ذلك إلى كيان يستطيع التحرك سريعًا بين الإنتاج والمخزون والنقل والأسواق، بدل انتظار تفاقم الأزمة ثم البحث عن حلول لها.

ويضاف إلى ذلك تغير المناخ والضغط المتزايد على الموارد المائية، وما يرتبط بهما من ارتفاع الحرارة والجفاف وتذبذب الإنتاج. لذلك لم يعد النجاح يقاس بعدد الأفدنة المستصلحة فقط، وإنما بإنتاجية وحدة المياه والعائد الاقتصادي منها، واختيار المحاصيل الملائمة، واستخدام الري الحديث والاستشعار عن بُعد والتحليلات الرقمية لتعديل الخطط قبل وقوع الخسائر.

المتطلبات الداخلية تعاني المشروعات الكبرى من تعدد جهات الولاية وتشابك الاختصاصات (الزراعة -الري -الكهرباء -البيئة -الاستثمار -الصناعة -التموين -المحليات) ويؤدي ذلك إلى تكرار الموافقات، واختلاف البيانات والاشتراطات، وتأخر التخصيص وتوصيل المرافق وبدء التشغيل، ليس بسبب تقصير جهة بعينها، وإنما لأن كل جهة تعمل وفق اختصاص ودورة مستندية منفصلة.

وتستهدف مناطق التنمية المستدامة معالجة هذا التجزؤ من خلال إدارة موحدة داخل نطاق محدد، بحيث يجد المستثمر أرضًا واضحة الولاية، ومرافق جاهزة، ومسارًا معلومًا للتراخيص والتخصيص والمتابعة.

ولا يعني ذلك إلغاء دور الوزارات، بل تجميع إجراءات التنفيذ تحت مسؤولية محددة، مع بقاء السياسات والمعايير والرقابة للجهات المختصة.

كما أن طبيعة الاستثمار والإنتاج الزراعي والصناعي تتطلب قرارات في توقيتات محددة؛ فقد تضيع فرصة استثمارية، أو ينتهي موسم زراعي، أو تتغير أسعار المدخلات قبل اكتمال دورة إجرائية طويلة. ومن هنا جاءت الحاجة إلى قواعد أكثر مرونة في إدارة الأصول والتعاقد والشراكات، من دون أن تعني هذه المرونة تعطيل القانون أو الحد من الرقابة.

وكان اتساع أعمال الجهاز نفسه سببًا مباشرًا لإعادة التنظيم؛ إذ أصبح يدير مشروعات زراعية وصناعية ولوجستية وأصولًا وشركات وشراكات متعددة. مما يتطلب قانون يحدد التبعية والرقابة والولاية على الأصول وصلاحيات الاستثمار والعلاقة بالوزارات وتقنينًا لواقع تشغيلي قائم وناجح ووضعه داخل إطار مدني ورقابي واضح.

وتحتاج الدولة كذلك إلى رفع كفاءة استغلال أصولها؛ فقد تمتلك أرضًا أو مصنعًا أو مخزنًا أو موقعًا لوجستيًا، لكنه يظل منخفض العائد بسبب غياب المطور المتخصص، أو التمويل طويل الأجل، أو المرافق، أو الشريك التشغيلي. ويسمح التنظيم الجديد بجمع الأصل والتمويل والتطوير والتشغيل في مشروع واحد، وتحويل الأصل الساكن إلى فرصة استثمارية منتجة.

كما يعالج الجهاز مشكلة تجزؤ سلسلة القيمة؛ فقد يزداد الإنتاج الزراعي بتوافر التخزين أو التصنيع أو النقل والتسويق، فتتراجع كمية الفاقد من المحصول؛ ولذلك تقوم فلسفة الجهاز على إدارة السلسلة كاملة: الأرض والمياه - الإنتاج - التخزين - التصنيع - النقل - التسويق -التصدير. ويؤدي هذا التكامل إلى تقليل الفاقد، ورفع القيمة المضافة، وتحسين إدارة المخزون، وجذب المستثمر إلى منطقة تتوافر فيها الأرض والمرافق والتراخيص والسوق، بدلًا من مطالبته بتحمل مخاطر التأسيس منفردًا.

وأخيرًا، جاءت إعادة التنظيم في مرحلة تنتقل فيها الدولة من بناء الطرق والطاقة والمرافق واستصلاح الأراضي إلى تشغيل هذه الأصول وتعظيم عائدها. فالقيمة الحقيقية للبنية الأساسية لا تتحقق بمجرد إنشائها، وإنما بربطها بالإنتاج والاستثمار والتصنيع والتصدير وإعادة استثمار عوائدها.

أبرز الاعتراضات على القانون وما تم من تعديل

سنتناول الاعتراضات المثارة بشأن القانون في حدود مدلولها الحقيقي، مع مراعاة أنه لم يُقر مشروع الحكومة بصورته الأولى، وإنما أدخل عليه تعديلات مهمة عالجت معظم المخاوف المتعلقة بالرقابة والضرائب والتمويل وحماية المال العام. ومن ثم يمكن عرض أبرز الاعتراضات والرد عليها في إطار موضوعي ومتوازن.

الاعتراض الأول: التخوف من اتساع اختصاصات الجهاز وتداخلها مع اختصاصات جهات الدولة، خاصة مع جمعه بين إدارة الأراضي والمشروعات والشركات والصناديق ومناطق التنمية المستدامة.

والرد أنه جهاز مدني ذو طبيعة خاصة يتبع رئيس الجمهورية، وليس سلطة مستقلة عن الدولة، كما يخضع للرقابة البرلمانية والمالية، لا يمنحه القانون ولاية عامة على جميع أراضي الدولة، بل يمارس اختصاصاته في المناطق والأصول المحددة قانونًا.

كما أن اتساع اختصاصاته يستهدف تحقيق سرعة الإجراءات والتكامل بين الأرض والمياه والإنتاج والتصنيع والتخزين والاستثمار، بدلًا من توزيع المشروع بين جهات متعددة تعمل كل منها بصورة منفصلة؛ وتحديد العلاقة التنفيذية مع الوزارات.

ومن ثم فإن التخوف مفهوم، لكن وصف الجهاز بأنه كيان خارج الدولة غير دقيق، والأدق أنه نموذج إداري خاص داخل مؤسسات الدولة.

الاعتراض الثاني: الجمع بين التطوير والاستثمار وإصدار التراخيص؛ إذ تخوف المعترضون من أن يتولى الجهاز تطوير مناطق التنمية المستدامة وتخصيص أراضيها وإصدار التراخيص فيها، ثم يشارك في الاستثمار من خلال شركات تابعة له، بما قد يثير احتمال تعارض المصالح أو عدم المساواة بينه وبين المستثمر الخاص.

إن وجود مطور عام يدير المنطقة ويهيئ مرافقها ويجذب المستثمرين ليس أمرًا غير مألوف، بل قد يكون ضروريًا لتجهيز المناطق الجديدة التي لا يستطيع القطاع الخاص تحمل مخاطر تأسيسها منفردًا.

كما أن فلسفة القانون تعتبر الجهاز محفزًا وشريكًا للتنمية، لا بديلًا عن القطاع الخاص، وقد شاركت بالفعل شركات خاصة عديدة في مشروعات الدلتا الجديدة.

غير أن ضمان الحياد التنافسي يعالج من خلال فصل وظيفي داخلي بقطاعات مستقلة للترخيص وتطوير البنية الأساسية والاستثمار، وأيضا تشكيل لجنة تظلمات لا تضم ممثلين عن الشركات المستفيدة ونشر قواعد التخصيص والترخيص مسبقًا وعدم منح الشركات التابعة مزايا لا تتوافر للمستثمرين الآخرين، وبذلك يكون الاعتراض قابل للمعالجة من خلال الحوكمة والتنظيم الداخلي.

الاعتراض الثالث: ضعف الرقابة المالية، والإعفاء الضريبي المطلق الذي تضمنته الصياغة الأولى، وعلى قصر دور الجهاز المركزي للمحاسبات على تقارير مرتبطة بمؤشرات الأداء، فضلًا عن منح الجهاز صلاحية إصدار السندات والصكوك.

وقد تمت معالجة هذه المسائل بصورة مباشرة، فتم إعادة الرقابة الكاملة للجهاز المركزي للمحاسبات، وألغى الإعفاء الضريبي المطلق للجهاز، وإلزامه بسداد حصته في التأمينات الاجتماعية، كما ألغيت إصدار السندات والصكوك والأدوات المالية الأخرى. وتمثل هذه التعديلات ضمانات جوهرية عززت حماية المال العام.

الاعتراض الرابع: أثيرت مخاوف من أن يسمح إنشاء مناطق التنمية المستدامة وإدارة الأراضي بنقل مساحات وأصول عامة كبيرة إلى الجهاز أو يمنحه حرية واسعة في التصرف فيها.

الرد على ذلك بوجوب عرض قرار إنشاء مناطق التنمية المستدامة على مجلس النواب في جلسة عامة، كما أكد أن وجود المال العام داخل المنطقة لا يمنح الجهاز سلطة مطلقة في التصرف فيه، بل تظل إدارته خاضعة للضوابط القانونية المقررة. وتكمن أهمية هذه المناطق في إنشاء نطاق متكامل تتوافر فيه الأرض والمرافق والتراخيص والخدمات من خلال جهة واحدة، بما يقلل زمن الإجراءات ويزيد جاذبية الاستثمار. وقد عالجت التعديلات البرلمانية هذه المخاوف دعمًا للشفافية.

الاعتراض الخامس: إنشاء صندوق سيادي وصندوق خدمي تابعين للجهاز، إذ تساءل بعض المعترضين عن الحاجة إلى إنشاء صندوق أهرامات النيل في ظل وجود صندوق مصر السيادي، وعن احتمال تداخل صندوق داعم مع مهام الوزارات الخدمية.

إن تعدد الصناديق المتخصصة ليس أمرًا استثنائيًا إذا كان لكل صندوق نطاق واضح؛ فصندوق أهرامات النيل يستهدف إدارة أصول واستثمارات الجهاز بصورة طويلة الأجل، بينما يركز صندوق داعم على الأغراض الاجتماعية والخدمية المرتبطة بالمجتمعات والمشروعات التابعة للجهاز. ولا يمثل وجودهما ازدواجًا بالضرورة، مع التنسيق مع صندوق مصر السيادي والوزارات المختصة.

الاعتراض السادس: ملاحظات بشأن قصر الطعن في عقود الجهاز والصندوقين على أطراف التعاقد، إلى جانب الاعتراض على سرعة مناقشة مشروع القانون.

قد تم تعدّيل المادة الخاصة بالطعن، وحافظ على حق أصحاب الحقوق الشخصية أو العينية في التقاضي، كما أبقى إمكان المساءلة إذا كان العقد مرتبطًا بجريمة من جرائم المال العام صدر فيها حكم بات. ويستهدف النص تحقيق استقرار العقود ومنع تعطيل المشروعات بدعاوى من أشخاص لا تربطهم مصلحة مباشرة بالعقد، وليس تحصين العقود من الرقابة أو القضاء. أما فيما يتعلق بمناقشة القانون، فقد شاركت فيها هيئات مكاتب سبع عشرة لجنة نوعية، وأدت المناقشات إلى تعديلات فعلية في مواد أساسية، ثم وافق مجلس النواب عليها نهائيًا بعد مناقشة المواد والتعديلات السابقة على مدار يومين..

كيف تتحقق المرونة الاستراتيجية للجهاز؟ وكيف تصبح أداة لاستباق التغيير في الدولة المصرية؟

تتحقق المرونة الاستراتيجية عندما يدير الجهاز سلسلة القيمة باعتبارها منظومة واحدة تبدأ بالأرض والمياه، وتمر بالإنتاج والحصاد والتخزين والتصنيع والنقل، وتنتهي بالتسويق والتصدير. ويتيح هذا التكامل ربط اختيار المحاصيل بالموارد المائية، واحتياجات السوق، والطاقات التخزينية والتصنيعية، بدل اتخاذ قرارات منفصلة قد تؤدي إلى زيادة الإنتاج دون وجود قدرة على تخزينه أو تسويقه.

إنشاء قاعدة بيانات موحدة تضم معلومات الأراضي والمياه والتربة والمناخ والإنتاج والمخزون والأسعار والطاقة والنقل والتجارة الخارجية، بما يوفر صورة تشغيلية محدثة تساعد على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. فسرعة القرار تحقق قيمتها عندما تستند إلى بيانات دقيقة ومتكاملة.

تمنح المرونة الجهاز القدرة على إعادة توجيه الأراضي والتمويل والطاقات التخزينية والتصنيعية وفق الأولويات؛ فيمكنه زيادة إنتاج محصول استراتيجي عند توقع نقصه، أو تقليل زراعة محصول مرتفع الاستهلاك للمياه، أو توجيه الإنتاج إلى التصنيع بدل بيعه خامًا، أو زيادة المخزون قبل اضطراب الإمدادات.

تتحقق المرونة أيضًا من خلال بناء شراكات سريعة مع القطاع الخاص لتوفير التمويل والتكنولوجيا والخبرة الفنية، بحيث يتولى الجهاز تجهيز الأرض والمرافق والفرصة الاستثمارية، ويشارك المستثمرون في الإنتاج أو التصنيع أو التشغيل والتسويق. كما تسمح له بتعديل خططه عند تغير أسعار المحاصيل أو الطاقة والأسمدة، أو ظهور قيود مائية، أو تعطل سوق تصديرية.

وتكتمل المرونة بقياس مستمر للأداء من خلال مؤشرات واضحة، مثل إنتاجية الفدان، والعائد من وحدة المياه، والعائد على الاستثمار، ونسبة الفاقد، وكفاءة تشغيل المصانع والمخازن، وحجم الاستثمار الخاص، وفرص العمل، والقيمة المضافة والصادرات. وبذلك تصبح المرونة ممارسة منضبطة تخضع للتقييم، وليست صلاحيات مفتوحة.

تتحول المرونة إلى أداة لاستباق التغيير عندما ينتقل الجهاز من التعامل مع المشكلة بعد وقوعها إلى توقعها والاستعداد لها. فمن خلال ربط بيانات الإنتاج والاستهلاك والمخزون والواردات والأسعار العالمية والشحن، يمكن إنشاء منظومة إنذار مبكر تكشف احتمالات حدوث فجوة في سلعة استراتيجية، وتتيح زيادة الإنتاج أو المخزون، وتنويع مصادر التوريد، وتوفير بدائل محلية قبل تفاقم الأزمة.

كما تساعد البيانات المناخية والاستشعار عن بُعد على توقع الإجهاد المائي، أو تدهور التربة، أو انخفاض الإنتاج، وتعديل التركيب المحصولي وفق العائد الاقتصادي لكل متر مكعب من المياه. ويستطيع الجهاز كذلك اختيار التوقيت المناسب للتخزين أو التصنيع أو البيع أو التصدير، بما يقلل الفاقد ويحمي المنتج من تقلبات الأسعار.

ويمتد الاستباق إلى إدارة الأصول العامة؛ إذ يمكن حصر الأراضي والمخازن والمصانع والمواقع اللوجستية وتقييم أفضل استخدام لها، ثم إعادة توجيه الأصول منخفضة الإنتاجية إلى أنشطة أكثر جدوى. ولا يقتصر الاستباق على مواجهة المخاطر، بل يشمل اقتناص فرص الاستثمار والتصدير من خلال سرعة تجهيز الأراضي والمرافق والشراكات قبل انتقال الفرصة إلى أسواق أخرى.

وتدعم هذه المرونة التنمية الإقليمية من خلال إنشاء مراكز إنتاج وصناعة وخدمات في المناطق الجديدة، وربطها بالطرق والطاقة والأسواق، بما يوزع الأنشطة الاقتصادية، ويوفر فرص العمل، ويخفف التركز السكاني والتنموي في الوادي والدلتا القديمة.

جهاز مستقبل مصر مؤهل ليكون نموذجًا تطبيقيًا للإدارة التنموية الحديثة، تستفيد منه مؤسسات الدولة في توحيد البيانات، وتحديد جهة مسؤولة عن النتيجة النهائية، وإدارة سلسلة القيمة كاملة، وإنشاء نافذة موحدة للمستثمر، واستخدام الإنذار المبكر والسيناريوهات، وقياس الأداء بالعائد والنتائج بدلًا من حجم الإنفاق وحده.

ويؤكد هذا النموذج أن مواجهة البيروقراطية لا تعني إلغاء الرقابة، بل إعادة تصميم الإجراءات، وتكامل المعلومات، وتحديد المسؤوليات، واستخدام التكنولوجيا في المتابعة وتصحيح المسار أثناء التنفيذ.

التجارب دولية المماثلة

أنشئت دول عديدة مؤسسات تنموية مرنة لإدارة الأراضي والاستثمارات، ونجحت في تسريع التنمية.

نجحت هيئة تنمية الأراضي الماليزية (FELDA) في استصلاح الأراضي وإنشاء مجتمعات زراعية متكاملة تربط الإنتاج بالتصنيع والتجارة والخدمات.

كما قدمت هيئة (JTC) السنغافورية نموذجًا ناجحًا في تخطيط المناطق الصناعية وترفيقها وإدارتها، وربط تخصيص الأراضي بالتنفيذ الفعلي، وحجم الاستثمار، وفرص العمل، والقيمة المضافة.

في السعودية، أسهمت شركة سالك في دعم الأمن الغذائي من خلال الاستثمار في الإنتاج وسلاسل الإمداد والتخزين وتنويع مصادر السلع الاستراتيجية.

أما مجموعة سلال الإماراتية، فاعتمدت على التكنولوجيا والبيانات والشراكات لرفع الإنتاجية، وإدارة المخزون، وربط المنتج بالتصنيع والتوزيع والأسواق.

الخلاصة العامة

أثبت جهاز مستقبل مصر خلال فترة زمنية محدودة قدرة تنفيذية واضحة على استصلاح مساحات واسعة من الأراضي، وإنشاء بنية أساسية متكاملة، وتطبيق نظم الري والميكنة الحديثة، ثم الانتقال من الإنتاج الزراعي إلى التصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية. ويؤكد ذلك أن الجهاز لم يعد مجرد مشروع لزيادة الرقعة الزراعية، بل أصبح أحد الأدوات الوطنية الداعمة للأمن الغذائي وتحقيق التنمية المستدامة

وجاء مشروع القانون الذي أقره مجلس النواب ليواكب هذا التطور، فنقل الجهاز من جهة تدير مشروعات محددة إلى منصة تنموية ذكية متكاملة تستطيع إدارة الأرض والمياه والمرافق والاستثمار والإنتاج والتصنيع والتخزين والتسويق والتصدير ضمن منظومة واحدة. ويعالج هذا التكامل مشكلة تشتت المسؤوليات وتعدد الإجراءات، ويمنح الدولة قدرة أكبر على إنجاز المشروعات تنموية مستدامة ذكية.

وقد أصبحت إعادة التنظيم ضرورة فرضها اتساع أعمال الجهاز، وتسارع المخاطر الغذائية والاقتصادية والمناخية، واضطراب سلاسل الإمداد، والحاجة إلى تشغيل ما أنشأته الدولة من أراضٍ ومرافق ومناطق إنتاجية بكفاءة أعلى. فالمرونة هنا لا تعني تجاوز مؤسسات الدولة أو الاستغناء عن تطوير الجهاز الإداري، وإنما تعني توفير آلية متخصصة للمشروعات التي تتطلب سرعة القرار، وتكامل الموارد، واستثمارات طويلة الأجل.

ورغم ما أُثير من اعتراضات بشأن اتساع الاختصاصات، والحياد التنافسي، والرقابة على الأموال والأصول، فقد تم أدخال تعديلات جوهرية عززت الضمانات القانونية والمالية، من أهمها إعادة الرقابة الكاملة للجهاز المركزي للمحاسبات، وإلغاء الإعفاء الضريبي المطلق، وإخضاع إنشاء مناطق التنمية المستدامة لموافقة المجلس. وهو ما يعكس حرص المشرّع على تحقيق التوازن بين المرونة التنفيذية وحماية المال العام.

وتبقى فاعلية التنظيم مرتبطة بحسن التطبيق، من خلال وضوح العلاقة مع الوزارات، والفصل بين إصدار التراخيص والأنشطة الاستثمارية، وشفافية تخصيص الأراضي واختيار الشركاء، وهذه المتطلبات تحمي التجربة وتعزز ثقة المستثمر والمواطن في استدامتها.

كما تؤكد تجارب ماليزيا وسنغافورة والسعودية والإمارات أن إنشاء مؤسسات تنموية مرنة ومتكاملة نهج سبق تطبيقه بنجاح، وأسهم في تنمية الأراضي، وجذب الاستثمارات، وربط الإنتاج بالتصنيع والأسواق، ودعم الأمن الغذائي. وتستطيع مصر بناء نموذج وطني يتلاءم مع مواردها وأهدافها.

وبذلك يكون التقييم الموضوعي أن إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر تمثل خطوة ضرورية لدعم القدرة على تحقيق التنمية الذكية واستباق التغيير، وأن المرونة الاستراتيجية المحسوبة الممنوحة له لا تمثل مصدرًا للقلق متى اقترنت بالرقابة والشفافية. فنجاح الجهاز لا يقاس فقط بعدد الأفدنة أو المنشآت، وإنما بقدرته على تحويل أصول الدولة إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل واستثمار مستدام، في إطار يجمع سرعة الإنجاز، وكفاءة الإدارة، وحماية المال العام، وخدمة أهداف الدولة المصرية.

v
جهاز مستقبل مصر الأراضي فرص العمل التنمية الغذاء الطاقة الإنتاج السمكي الإنتاج الداجني التمويل النقل التكنولوجيا البنية الأساسية الإدراة الذكية الإدارة الحديثة الذكاء الاصطناعي الحوكمة الرقمية
أسواق للمعلومات أسواق للمعلومات
أسواق للمعلومات أسواق للمعلومات